ملخص:بعد ما يقرب من ثلاثة أسابيع من أحد أشد انقطاعات الإنترنت تطرفاً في إيران، يبدو أن بعض الاتصال يعود تدريجياً، ولكن ليس كعودة عادية للخدمة. تصف مجموعات المراقبة والمحللون الوضع بأنه أقرب إلىالوصول المتحكم فيه والمتقطع والانتقائيبعض الخدمات تعمل في أوقات معينة، ولبعض الأشخاص، وغالباً لفترة وجيزة فقط.
هذه قصة تكنولوجية ذات أبعاد سياسية. لا يقتصر التحكم في الإنترنت على ما يمكن للناس قراءته فحسب، بل إنه يحدد ما إذا كان بإمكان العائلات التواصل، وما إذا كان بإمكان الشركات العمل، وما إذا كان بإمكان معلومات الاحتجاج الانتشار.
ما حدث (كما ورد في التقارير)
من تقرير بي بي سي:
- إيران تقطع خدمة الإنترنت8 يناير.
- قال مسؤولون إن الإنترنت حُجب ردًا على ما وصفوه بـ"العمليات الإرهابية"، بينما يرى المراقبون ذلك محاولة لوقف تدفق المعلومات خلال حملة قمع
- بدأت خدمة الإنترنت تعود تدريجياً لبعض شرائح السكان، لكن التحليلات المستقلة تشير إلى أن جزءاً كبيراً من البلاد لا يزال معزولاً فعلياً.
- لاحظت شركات استخبارات الشبكات ومجموعات المراقبة عدم اتساق الوصول: حيث تم السماح بالوصول إلى المنصات الرئيسية وحظرها في أوقات مختلفة من اليوم.
- أشار المحللون إلى أن السلطات ربما تختبر أنظمة جديدة لحجب حركة المرور في الوقت الفعلي.
- تشير التقارير إلى نموذج وصول متعدد المستويات حيث لا يحصل إلا المستخدمون المعتمدون (أو مجموعات مثل الجمعيات التجارية) على وصول محدود وغير مُصفّى.
- تم ذكر التكاليف الاقتصادية: خسائر يومية تقارب خمسة تريليونات تومان (حوالي35 مليون دولار / 25 مليون جنيه إسترليني).
لماذا يمكن أن يكون "العائد الجزئي" أكثر تحكمًا من التعتيم؟
الإغلاق التام هو أمرٌ صريح: الجميع متوقفون عن العمل.
كما أن العودة الجزئية تخلق حالة من عدم اليقين. فالناس لا يعرفون ما إذا كانت مشكلة الاتصال هي:
- انقطاع الشبكة
- يتم إغلاق المنصة
- تم اكتشاف استخدام شبكة افتراضية خاصة (VPN).
- أو ببساطة الازدحام
إن حالة عدم اليقين هذه بحد ذاتها تُسيطر، لأنها تزيد من تكلفة التنسيق وتجعل الناس أكثر حذرًا
قد يكون العودة الجزئية والانتقائية أكثر استراتيجية لأنها تتيح للسلطات ما يلي:
- الحفاظ على اتصال كافٍ للوظائف الاقتصادية الرئيسية
- تقليل غضب الجمهور من خلال السماح بوصول محدود
- الحفاظ على النفوذ من خلال جعل الوصول إلى الإنترنت مشروطًا
في الواقع، يصبح الاتصال خدمة مرخصة.
كيف تعمل الاتصالات الخاضعة للتحكم (بعبارات بسيطة)
غالباً ما يتصور الناس الرقابة على الإنترنت على أنها "حجب فيسبوك". في الواقع، يمكن للدول التحكم في الاتصال باستخدام تقنيات متعددة.
ومن الأمثلة المفيدة على ذلك الفرق بين:
- جدار(حجب بسيط)، و
- مجموعة من الصمامات(تحكم دقيق)
تعتمد عمليات الإغلاق الحديثة بشكل متزايد على الصمامات.
تشمل التقنيات الشائعة ما يلي:
1) حظر المنصة
حظر النطاقات وعناوين IP المعروفة (مثل واتساب).
2) التقييد
السماح بالاتصالات ولكن إبطائها حتى تشعر التطبيقات بأنها معطلة.
3) تداخل البروتوكول
استهداف بروتوكولات VPN أو الأنفاق المشفرة حتى تفشل أدوات الالتفاف.
4) البوابات الزمنية
السماح بتقديم الخدمات في أوقات محددة لتقليل التنسيق.
5) الوصول المقيد بالهوية
يتطلب التحقق للوصول إلى الإنترنت "الأقل تصفية"، ويرتبط أحيانًا بأنظمة الهوية في العالم الحقيقي
يصف التقرير أنماطًا تتوافق مع التغييرات الزمنية والبدل الانتقائي.
كيف تكتشف مجموعات المراقبة أن "الأمور لم تعد إلى طبيعتها"؟
ومن التفاصيل المفيدة في التقرير أن الشركات مثل Kentik والمجموعات مثل NetBlocks يمكنها رؤية أنماط في حركة مرور الويب تشير إلى الاستعادة الانتقائية.
ينظرون عادة إلى إشارات مثل:
- ما هي الخدمات التي يمكن الوصول إليها من داخل الدولة؟
- ما إذا كانت أحجام حركة المرور تتطابق مع المعدلات الطبيعية
- ما إذا كانت بعض المنصات تومض عند التشغيل/الإيقاف في فترات زمنية محددة
ولهذا السبب يمكن للتقرير أن يقول "هذا ليس عودة إلى الوضع الطبيعي" حتى بدون أن يكون داخل كل شبكة.
الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN): لماذا يمكن حتى الوصول المحدود أن يشكل ثغرة أمنية
ويقتبس التقرير عن محلل يشير إلى أنه إذا كان من الممكن تمرير أي بيانات - حتى لو كانت "بتة واحدة" - فقد تنجح الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN).
وهذا يفسر ديناميكية لعبة القط والفأر الشائعة:
- تسمح السلطات باتصال محدود لأغراض العمل أو الهدوء
- يستغل المستخدمون هذه الثغرة للوصول إلى الإنترنت عبر شبكة VPN.
- ترد السلطات بحظر أقوى لشبكات VPN
قد يؤدي هذا إلى تدهور دائم في خدمة الإنترنت حيث:
- بعض الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) تعمل لفترة قصيرة
- ثم تفشل
- ثم تظهر أدوات جديدة
البعد الاقتصادي: عمليات الإغلاق لا تضر بالمتظاهرين فقط
وأشار وزير الاتصالات إلى الخسائر اليومية الكبيرة.
يجدر أيضًا فهم ذلكمنالأكثر تضرراً:
- الشركات الصغيرة التي تعتمد على الرسائل ومنصات التواصل الاجتماعي
- العمل الحر والعمل الموجه للتصدير والذي يعتمد على العملاء الدوليين
- مشغلو الخدمات اللوجستية الذين ينسقون المسارات وعمليات التسليم
قد تحصل المؤسسات الكبيرة أحيانًا على امتيازات خاصة، بينما نادرًا ما يحصل عليها المشغلون الصغار. وهذا ما يجعل عمليات الإغلاق صدمة اقتصادية غير متكافئة.
تشمل الآثار الاقتصادية لعمليات الإغلاق ما يلي:
- أنظمة الدفع واضطراب التجارة
- تأخيرات لوجستية
- خسارة الصادرات والعقود
- انهيار دعم العملاء واتصالات سلسلة التوريد
عندما يتم تقنين الوصول إلى أماكن العمل إلى 20-30 دقيقة يوميًا تحت الإشراف، يصبح ذلك نقطة اختناق إدارية تبطئ الاقتصاد وتذل أصحاب الأعمال.
البُعد الاجتماعي: العائلات والثقة
في العديد من حالات الإغلاق، لا يكون الضرر الأكثر خطورة اقتصادياً، بل هو ضرر إنساني:
- لا تستطيع العائلات الاتصال بالأقارب
- لا يستطيع الناس التحقق من السلامة
- تنتشر المعلومات المضللة بسبب اختفاء القنوات الموثوقة
يمكن أن يؤدي الوصول الجزئي إلى خلق فئات غير متساوية من الاتصال:
- الأشخاص ذوو العلاقات الجيدة الذين يمكنهم الوصول
- كل من يبقى معزولاً
يصبح هذا التفاوت وقوداً سياسياً.
التوجه التقني: الانحراف نحو "الإنترنت الوطني"
العديد من الدول التي تجرّب عمليات الإغلاق تقوم في النهاية ببناء ضوابط أكثر ديمومة:
- البوابات الوطنية
- أنظمة التطبيقات المحلية
- ترخيص صارم للاتصال الدولي
هذا ليس حكراً على إيران. يتكرر هذا النمط كلما قررت الحكومات أن الإنترنت المفتوح يشكل خطراً سياسياً. وبمرور الوقت، تتحول "التدابير الطارئة المؤقتة" إلى بنية تحتية دائمة.
النتيجة المحتملة هي شبكة إنترنت متعددة الطبقات:
- طبقة محلية محكمة الرقابة وموثوقة
- طبقة دولية مقيدة أو مراقبة أو خاضعة للتقنين
ويشير التقرير إلى تحذيرات المراقبين بأن إيران تضع أنظمة من شأنها أن تقلل من فرص استعادة النظام بالكامل.
لذلك عواقب طويلة المدى:
- تُبنى الشركات على أساس عدم الاستقرار
- انخفاض الاستثمار الأجنبي
- تباطؤ الابتكار والبحث
المفاضلة بين الأمن والمراقبة
عندما تروج السلطات لمنصات التواصل المحلية أثناء عمليات الإغلاق، يواجه المستخدمون معضلة:
- قد تعمل التطبيقات المحلية عندما لا تعمل التطبيقات الدولية
- لكن التطبيقات المحلية قد تنطوي أيضاً على مخاطر مراقبة أعلى.
ولهذا السبب غالباً ما تحذر جماعات حقوق الإنترنت من أن "الحلول البديلة" التي تقدمها السلطات يمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية السيطرة.
كيف يبدو "الوصول المقنن" بالنسبة للشخص العادي؟
في الواقع، يصف الناس أعراضًا مثل:
- يتطلب الأمر محاولات متكررة للاتصال
- فترات قصيرة تعمل فيها المكالمات ثم تنقطع
- بعض التطبيقات تعمل بينما لا تتصل تطبيقات أخرى أبداً
- إنترنت "نصف عامل" حيث تصل الرسائل النصية ولكن لا تصل الوسائط
هذا النوع من الخبرة يتناسب مع نظام يتم فيه تعديل قواعد التوجيه والتحكم في السرعة والحظر باستمرار.
ماذا تشاهد بعد ذلك؟
-
استقرار الوصول
هل يصبح الوصول متاحًا باستمرار، أم يظل متقطعًا؟ -
فعالية الشبكات الافتراضية الخاصة
إذا توقفت الشبكات الافتراضية الخاصة عن العمل تمامًا، فهذا يشير إلى تشديد الرقابة التقنية -
تغييرات قائمة المنصات
ما هي الخدمات التي تعود؟ وما هي الخدمات التي لا تزال محظورة (تم ذكر واتساب على أنه مقيد)؟ -
القواعد الرسمية
ترقبوا اللوائح الجديدة التي تحدد "مستويات" الوصول، أو التحقق من الهوية، أو التطبيقات المسموح بها -
الضغط الاقتصادي
إذا تزايدت الخسائر، فقد توسع السلطات نطاق الوصول للتجارة مع إبقاء منصات التواصل الاجتماعي مقيدة
ما يعنيه هذا بالنسبة للتكنولوجيا والمجتمع على المدى الطويل
إذا استمر تقييد الاتصال، فإن الآثار طويلة المدى تميل إلى أن تكون كالتالي:
- عائق الابتكار:لا يستطيع المطورون والباحثون الوصول بشكل موثوق إلى الأدوات والمجتمعات العالمية
- احتكاك الأعمال:كل تفاعل دولي يصبح أبطأ وأكثر خطورة
- تجزئة المعلومات:يعيش الناس في "واقع إنترنت" مختلف اعتمادًا على نوع الوصول الذي يمكنهم الحصول عليه
هذا أحد الأسباب التي تجعل عمليات إغلاق الإنترنت توصف في كثير من الأحيان بأنها شكل من أشكال العقاب الجماعي: فالأضرار تمتد إلى ما هو أبعد من اللحظة السياسية.
خلاصة القول
إن الإنترنت في إيران لا "يعود" ببساطة. بل إنه يتطور بشكل محتمل إلى نموذج أكثر تحكمًا حيث يكون الاتصال متقطعًا وانتقائيًا ومشروطًا
وهذا الأمر يتجاوز مجرد دولة واحدة: إنها دراسة حالة حول كيفية تحويل الدول الحديثة للإنترنت من أداة أساسية إلى أداة مُدارة للسيطرة السياسية والاقتصادية.
على المدى القريب، يكمن العامل الحاسم في عودة الوصول إلى الإنترنت على نطاق واسع وبشكل متوقع، أو ما إذا كانت إيران ستُرسّخ نموذجًا هرميًا يقتصر فيه الوصول الفعال على فئات مُحددة. أما على المدى البعيد، فتعتمد مرونة البلاد الاقتصادية والاجتماعية على قدرة المواطنين والشركات على المشاركة بفعالية في شبكة الإنترنت العالمية.
المصادر
- بي بي سي نيوز (التكنولوجيا):https://www.bbc.com/news/articles/cz7y2ddgl23o?at_medium=RSS&at_campaign=rss